محمد بن وليد الطرطوشي
267
سراج الملوك
وقال بزرجمهر : لا عزّ أثبت أركانا ولا أبذخ بنيانا ، من بث الكرم واكتساب الشكر ، وذلك أن عز التعظيم بالفعل الجميل باق في قلوب الرجال ، ومن تحصن بالجود وتحرّز بالمعروف ، فقد ظفر بمن ناوأه « 1 » وربح الشّكر والثواب . ويروى أن عبد الله بن أبي بكر ، - وكان أحد الأجواد - عطش يوما في طريقه ، فاستسقى من منزل امرأة ، فأخرجت كوزا وقامت خلف الباب ، وقالت : تنحوا عن الباب وليأخذه بعض غلمانكم ، فإني امرأة من العرب مات زوجي منذ أيام . فشرب عبد الله وقال : يا غلام ، احمل إليها عشرة آلاف . فقالت : سبحان الله : تسخر بي ؟ فقال : يا غلام ، احمل إليها عشرين ألفا . فقالت : أسأل الله العافية ! فقال يا غلام ، احمل إليها الثلاثين ألفا ، فقالت ، أف لك . فحمل إليها ثلاثين ألف درهم ، فما أمست حتى كثر خطّابها . وقال بعض الرواة : قصد رجل إلى صديق له ، فدق عليه الباب ، فلما خرج ، قال : ما حاجتك ؟ قال : أربعمائة درهم عليّ دين ، فدخل الدار وأخرجها إليه ، ثم دخل الدار باكيا ، فقالت له امرأته : هلا تعلّلت حين شقت عليك الإجابة ، قال : إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مكاشفتي . وقال أكثم بن صيفي : صاحب المعروف لا يقع ، فإن وقع وجد متكأ . وقال الفضيل : ما كانوا يعدون القروض معروفا . ويروى عن امرأة من المتعبدات أنها قالت : لحبان بن هلال - وهو في جماعة من أصحابه - : ما السخاء عندكم ؟ قال : البذل والإيثار ، قالت : فما السخاء في الدين ؟ قال : أن تعبدي الله تعالى سخية بنفسك غير مكرهة ، قالت : أفتريدون على ذلك جزاء ؟ قالوا : نعم ، لأن الله تعالى وعد على الحسنة بعشر أمثالها ، قالت : فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرا ، فأي شيء سخيتم به ؟ وإنما السخاء : أن تعبدوا الله تعالى متنعمين متلذذين بطاعته ، غير كارهين ، لا تريدون بذلك أجرا ، ألا تستحبون أن يطّلع على قلوبكم ، فيعلم أنّها تريد شيئا بشيء ؟ وقالت بعض المتعبدات لبعض المتعبدين : أتظن السخاء في الدينار والدرهم فقط ؟ إنما السخاء في بذل مهج النفوس لله تعالى .
--> ( 1 ) ناوأه : عاداه .